السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

53

فقه الحدود والتعزيرات

والحاصل : أنّ التعزير الشرعيّ إذا لم يكن لأمر محظور شرعاً أو منافٍ لشأن الإنسان وكرامته ، يجوز إقامته بمطلق ما يتحقّق به المنع والتأديب ، وعليه فليس هناك في الضرب أيّة خصوصيّة ، بل غاية ما يمكن ادّعاءه هو كونه مصداقاً شائعاً للتعزير ، من جهة كونه أقرب تأثيراً ، أو أسهل عملًا وأنّه ذو حدّين ، فيمكن أن يجازى به كلّ مجرم بالقدر الذي يلائم جريمته ، أو أعمّ نفعاً ، حيث إنّ المجرم يذهب بعد التنفيذ والإجراء مباشرة إلى حال سبيله ، فلا يتعطّل عمله ، ولا يشقى بعقابه أهله ، وإنّه يحمي المحكوم عليه من شرّ المحابس وما تؤدّي إليه من إفساد الأخلاق والصحّة واعتياد الكسل والخمول والنفور من العمل ، وغير ذلك . إلّا أنّ كلّ ذلك استحسانات لا تفيد في مقام الاستدلال . وأمّا فقهاء السنّة فيظهر من كلمات بعضهم أنّ التعزير عندهم يكون أعمّ من الضرب والإيلام ، فيشمل التوبيخ والإعراض ونحوهما ، فضلًا عن مثل النفي والحبس . قال أبو يعلى الفرّاء في وجوه اختلاف الحدّ والتعزير : « أحدهما : أنّ تأديب ذي الهيئة من أهل الصيانة أخفّ من تأديب أهل البذاء والسفاهة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم » فإن تساووا في الحدود المقدّرة ، فيكون تعزير من جلّ قدره بالإعراض عنه ، وتعزير من دونه بزاجر الكلام وغاية الاستخفاف الذي لا قذف فيه ولا سبّ . ثمّ يعدل بمن دون ذلك إلى الحبس الذي ينزلون فيه على حسب رتبهم وبحسب هفواتهم ، فمنهم من يحبس يوماً ، ومنهم من يحبس أكثر منه إلى غير غاية مقدّرة . ثمّ يعدل بمن دون ذلك إلى النفي والإبعاد ، إذا تعدّت ذنوبه إلى اجتلاب غيره إليها واستضراره بها . » « 1 » وقال ابن قدامة الحنبلي : « والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ، ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه ولا أخذ ماله ، لأنّ الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به ،

--> ( 1 ) - الأحكام السلطانيّة ، ج 1 ، ص 279 ؛ وراجع : ج 2 ، ص 236 - معالم القربة في أحكام الحسبة ، ص 285 .